بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 13 أبريل 1998

ان لله عبادا فطنا ( مقال )


وأعجب ما أعجب من رجل جعل قدره في التراب , ومناه في الأوشاب ,  وولعه  في  صحبة الأوقاب(3), كيف يسلم من الأوجاع والأوصاب , لاينخلع من ماله صدقة , ولاينزع من قلبانه  دلوا , يضن بالقليل , ويتدافع على الجزيل , كأنما هو موكّل أن يجمع الدنيا من أقطارها , وما علم أنها لا تسوى عند الله جناح بعوضة . انغمس بعض الناس في هذه الدنيا الفانية , فأخذت منهم هناءتهم , وأغرقتهم في التطلّعات , وقذّرتهم بالمطامع , ودارت بهم فاستداروا , وجرت بهم فتقافزوا, حيث لا خير ولا مير, دنعت (1)  نفوسهم , وطأطأت رؤوسهم , تدافعوا واندفعوا في رغباتهم , تطلّعا للإستحواذ , وشهوة للتملّك , وهم في بحبوحة من العيش لاتنذر بحاجة, إلاّ أن المطامع جعلتهم خوامع (2) , فخضعوا وتخضّعوا لمن هم أقل مكانة وقدرا وجالسوهم وقرّبوهم وخالطوهم , ليضربوا جنبات الأرض ويأتون إليهم بالكثير من الخفايا , الخفايا التي تساعدهم على الخضم والقضم والهضم .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أُهْدِيَ إلى رجلٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة , فقال إن أخي كان أحوج مني إليه , فبعث به إليه , فلم يزل واحد يبعث به إلى آخر حتى تداوله سبعة أبيات ورجع إلى الأول.
هذه لمحة من الإيثار تجلّت في أجمل صورة, ليس ذلك وقفآ على الرعيل الأوّل من خيار الأمّة, ففي كل عصر نجد المروءة , يجسدها الفعل , وتظهرها الفعال , يقول شليويح العطاوي :        وان قلت الوزنه وربعي مشافيح  **أخلّي الوزنه لربعي واشومي ,  رجل في بريّه جرداء ودويّة (4)قــفـراء , أنهكه العطش , وأتعبه تعقّب الآل , يُؤثر ربعه بحصته من الماء , الماء النزر القليل الذي يوزن بحصاة صغيرة , لتكون مقدارآ  لرفاق الرحلة فيّ الفلوات والصحاري , يؤثر رفاقه العطشى الذين رآهم من العطش مشافيح , آثرهم بنصيبه من الماء , ورفع نفسه فارتفع قدره ,  وجاء من لايعرفه فروى بيته وترحّم عليه لأخلاقه ومروءته وشيمته... هل سمعتم عن عتبة بن غزوان الحارثي المازني الصحابي الجليل  باني مدينة البصرة وأميرها الذي كان يخاف الدنيا على دينه ,حاول معه بعض أتباعه أن يحوّلوه عن نهجه الزاهد المتقشف , فقال لهم : إني أعوذ بالله أن أكون في دنياكم عظيما, وعند الله صغيرا , وقف عتبة موقف الشجاعة مع نفسه , فلم تأخذه الدنيا في حضنها , وقف يحارب مظاهر الترف وخداع المظاهر, حتى ضجره(5) الذين تستهويهم الرغبات , وتغريهم الشهوات , فوقف فيهم خطيبآ وقال : والله لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع سبعة , ومالنا طعام إلا ورق الشجر , حتى تقرحت أشداقنا.
يقول عمير بن سعد رضي الله عنه , ألا إن الإسلام حائط منيع , وباب وثيق , فحائط الإسلام العدل , وبابه الحق , فإذا نقض الحائط , وحطم الباب أستُـفْـتح الإسلام , ولايزال الإسلام منيعا ما اشتد السلطان , وليست شدة السلطان قتلآ بالسيف ,  ولاضربآ بالسوط , ولكن قضاء بالحق وأخذ بالعدل... تلك سيرة الصالحين قضاء بالحق , وأخذ بالعدل , العدل سيرة وسلوكا ومنهجا.
كان أبو عبيد بن مسعود بن معتّب الثقفي على رأس الجيش الذي غزا فارس , ولما جيئ له بأنواع الطعام والأخبصة(6) وغيرها فقال : هل أكرمتم الجند بمثلها ؟ قالوا لم يتيسر ونحن فاعلون , فقال أبو عبيد لاحاجة لنا في طعامكم , بئس المرء أبو عبيد أن صحب قوما من بلادهم واستأثر عليهم بشيئ لا والله لاآكل ما أتيتم به ولا مما أفاء الله إلاّ مثل ما يأكل أوساطهم ... هذه هي أخلاق المسلمين, يؤثِـرون ولا يسْتأثرون, ويترفّـعون عن سقطات الدنيا... رأى الأحنف بن قيس في يد رجلٍ درهما فقال : لمن هذا ؟  قال : لي , قال : ليس هو لك حتى تخرجه في أجر أو اكتساب شكر... تلك هي حقيقة  المال , إما اكتساب الأجر, أو اكتساب الشكر, أو اكتساب الوزر, أو إمساكٌ يُخضع المالك فيصبح مملوكا , ويجعله عبدآ للدرهم والدينار, قال النبي صلى الله عليه وسلم لقيس بن عاصم : إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت ،  ومالبست فأبليت , وما أعطيت فأمضيت , وما سوى ذلك فللوارث,,, إن في الامساك ذلآ ما بعده ذل .
تعالى الله يا سلم بن عمروٍ    **    أذل الحرص أعناق الرجالِ .. ونعم المال الصالح في يد الرجل الصالح , يجمعه من مظان الخير.
أوصى أعرابي بنيه فقال: يابني أطلبوا هذا المال أجمل الطلب , واصرفوه في أحسن مذهب , صلوا به الأرحام , واصطنعوا به الأقوام , واجعلوه جُنة لأعراضكم , تحسن في الناس قالتكم , فإن جمعه كمال الأدب , وبذله كمال المروءة , حتى أنه ليسوّد غير السيّد , ويقوّى غير الأيّد ,  حتى أنه ليكون في أنفس الناس نبيها , وفي أعينهم مهيبا , ومن جمع مالآ ولم يصن عرضآ , ولم يعط سائلآ  ، بحث الناس في أصله , فإن كان مدخولآ هتكوه , وإن كان صحيحآ نسبوه إما لعرض دنيّة, وإما إلى عرق لئيم  حتى يهجّـنوه , يقول الله عز وجل : خذ من أموالهم صدقة تزكّيهم وتطهّرهم , وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم , ماذا كانت الإستجابة , أخرجوا كرائم أموالهم صدقة لوجه الله . أأحدثكم عن أباعر جاءت تتهادَى بأحمالها من الأرزاق والأمتعة , دخلت مدينة رسول الله , وتسابق التجار للشراء , ورأى صاحبها (عثمان بن عفان رضي الله عنه ) أن الناس في حاجة ,  فقال للتجار: أليست الحسنة بعشر أمثالها ؟ قالوا: بلى,قال: قد وهبتها لله , وفرّقها بين الفقراء والمحتاجين, وباع عبد الرحمن بن عوف الزهري رضي الله عنه أرضا بأربعين ألف دينار , ثم فرّق المال جميعآ في بني زهرة وفقراء المسلمين, وعند موته أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله, وأوصى لكل من بقي ممن شهد بدرآ أربعمئة دينار, حتى أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أخذ نصيبه من الوصية رغم ثرائه , وقال إن مال عبد الرحمن حلال صفو, وإن الطعمة منه عافية وبركة , هكذا كان سيدنا عثمان بن عفان , وهكذا كان سيدنا عبد الرحمن بن عوف , لم تستعبدهما الأموال ... كان يقال : أهل المدينة شركاء لابن عوف في ماله , ثلث يقرضهم , وثلث يقضي عنهم دينهم , وثلث يصلهم... احتمع بعض أصحابه عنده يومآ على طعام , فلما وضع الطعام بكى عبد الرحمن بن عوف , فقال أصحابه ما يبكيك ياأبا محمد ؟ قال : لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وما شبع هو وأهل بيته من خبز الشعير, وما أرانا أخِّرنا لما هو خير لنا .. رحمك الله أبا محمد ماذا نقول نحن وبم نعتذر؟.. هذا هو الأسلام الحق , رفع عبد الرحمن بن عوف فوق مغريات الثّـراء, وعـجـب الإثْـراء, وصـلـف الأثْـرياء.
وكان الحسن بن على اذا أتاه سائل رحّب به وقال : مرحبآ بمن يحمل زادي إلى الآخرة , أما نحن فنحكم الرتاج(7) خشية من السائل وابن السبيل والمنقطع . روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلآ قدم عليه من الشام , فسأله عن أرضهم , فأخبره عن سعه أرضهم وكثرة النعيم فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تفعلون ؟ قال: إنا نتخذ ألوانا من الطعام ونأكلها , قال : ثم تصير إلى ماذا ؟ قال: إلى ما تعلم يا رسول الله ( يعني تصير بولآ وغائطا) قال النبي صلى الله عليه وسلم : فكذلك مثل الدنيا ... هذه هي الدنيا التي تكالبنا عليها , وتناحرنا من أجلها, حرمنا اليتيم , وظلمنا الضعيف, وأكلنا بغير المعروف , ألا بئس الزاد للمعاد العدوان على العباد.. هل سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : انقضَى عهد النوم يا خديجة.. أأحدثكم بذلك!! كانت مكه تغطُّ في سبات عميق , لاتسمع نأمة  ولاحسا , القوم في مضاجعهم إلا واحدآ تجافَى جنبه عن المضجع فعمد إلى مصلاه, يناجي ربه يدعوه ويتضرع إليه , أشفقت عليه زوجه, ودعته أن يرفق بنفسه , ويأخذ حظه من النوم , فأجابها والدموع في عينيه : ( لقد أنقضَى عهد النوم       يا خديجة) اللهم صلي وسلم وبارك عليه. أيها النائمون هـبوا فقد انقضى عهد النوم... بكى معاذ بن جبل رضي الله عنه بكاءً شديدآ فقيل له ما يبكيك ؟  فقال :لأن الله عز وجل قبض قبضتين , فجعل واحدة في الجنة والأخرى في النار ,  فأنا لاأدري من أي الفرقين أكون , وقالت ابنة عامر بن عبد قيس ياأبتي مالي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام , قال يا بنية إن جهنم لاتدع أباك ينام, ورأت أم الربيع بن خيثم قلق ابنها بالليل فقالت يا بني لعلك قتلت قتيلآ ,  فقال : يا أماه قتلت نفسي.. اللهم ارحمنا برحمتك, وتجاوز عن تقصيرنا يا أرحم الراحمين.

ياباكيا فرقة الأحباب عن شحطٍ        هلاّ بكيت فراق الروح للبـــــــــــدنِ
نــــــــــــورٌ تردّد في طينٍ الى أجلٍ        فانحاز علوآ وخلّى الطين للكفنِ
يا شدّ ما افترقا من بعد ما اعتلقا        أظنّها هُدنة كانت على دخــــنِ
إن لم يكن في رضا الله اجتماعهما    فيا لها صفقة تــــــمّت على غـبـنِ.
--------------------------------------------
الهامش
 (1)دنعت   : ذلت
(2)الخوامع   :الضباع
(3)الأوقاب  :الحمقى
(4)الدوية    :المفازة
(5)ضجره  :اي ضجر منه
(6)الأخبصة: جمع الخبيصة وهي نوع من انواع من الطعام
(7)الرتاج  : ما يغلق به الأبواب من الداخل

نشرت في جريدة عكاظ العدد 11569 , السبت 28/12/1418هـ

السبت، 11 أبريل 1998

دولة العز والهدى والفلاح (مقال)

لبّيك اللهم لبّيك ، لبّيك لا شريك لك لبّيك  ، بهذا النداء العظيم لبّى الملبّون، وقفوا على صعيد عرفات، يتضرّعون إلى رب العزّة والجلال، تاركين المال والأهل والولد، وقفة الضّراعة الذّليلة أمام الصمديّة العزيزة، وقفة الخضوع والاستكانة أمام  رب  العزّة والرحمة. وقف الحجاج في مشهد إيماني مهيب ليعلنوا كلمة الله الخالدة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وسالت جموعهم إلى المزدلفة في ابتهال وذلّة وخشوع، يتضرّعون إلى الواحد الأحد الفرد الصّمد، مُتجردين من الأهواء، متحدين في التوجّه، مُخلصين في العبادة، لا يصرفهم عن تجرّدهم غاية دنيوية، ولا يعوقهم في توجّههم رغبات حياتية، ثم سارت جموعهم إلى منى فالبيت الحرام ، تحفّهم عناية الله ، في يسر وسهولة وراحة وطمأنينة، برعاية واعية وتخطيط سليم، وخُطط مدروسة، وآمن شامل تحقّق بفضل الله ومنّه وجوده وكرمه.
أكمل الحجاج بتوفيق الله مناسكهم، وقضوا بحمد الله تَفَثَهم، وشهدوا - برعاية الله - منافعهم ، وذكروا الله في الأيام المعلومات، وتوسّلوا إلى الله العلي القدير، أن يجعل حجّهم مبرورا، وسعيهم متقبّلا مشكورا.
كان الحج، والحمدلله، غاية في التنظيم، ورائعا في التخطيط، ودقيقا في التّطبيق، وسهرت الدولة، رعاها الله، على تيسير الحج وأداء النسك، بذلت في ذلك النفيس وأرخصت كل غالٍ في تيسير السّبل، وتهيئة الطّرق، وترتيب السكن، وتوفير جميع الخدمات، جعلت خدمة الحجيج هدفا من اهدافها، وغاية من غاياتها، أمٌنت الطرق، وسهرت بإخلاص على خدمة وفود بيت الله الحرام، كأفضل مايكون وأحسن مايكون، وضعت الخطط، واستنفرت كلَّ اجهزتها لهذه الغاية النبيلة، بذلت بلايين البلايين لحفر الأنفاق، وشيدت الجسور، وبنت الطرق الواسعة الفسيحة، كل ذلك ليسْهُل تنقّل الحجاج بين  مناطق الحج والمشاعر، لا يعوقهم عائق، ولا يحبسهم حابس، ولا يُعطّل حركتهم ازدحام، فعلت ذلك وتفعل غيره من تحسين وتطوير دون  منٍّ ، تعمل ذلك بصمت واستشعارا بواجبها المقدس، والشاهد على ذلك ما قامت به وزارة الأشغال العامة والإسكان من إنشاء مشروع إسكان الحاج في منى، والذي نُفِّذت المرحلة الأولى منه بما يسع لأكثر من خمسمئة ألف حاج.
 وعندما ينتهي الحج، تبدأ اللجان المتعددة في تقييم العمل، ومراجعة التقارير، لتتلافى القصور - إن كان هناك قصور -  في المواسم القادمة.. وترى الدولة بجميع اجهزتها في عمل دؤوب مستمر طيلة السنة، مراجعة ودراسة ورأيا للعمل من أجل الحج القادم، فكرا وتخطيطا وتحسينا وبذلا.
ولقد تحقق على يد الدولة الرشيدة قول الحق سبحانه وتعالى {وإذْ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} توخّت بذلك وجه الله ، وابتغت بذلك مرضاة الله، فكان نتاج عملها الخير المطلق، والعظمة المطلقة، فوفقها الله عز وجل في مساعيها، لأنها توسّلت بأعمالها وجه المُهيمن الجبّار، وجعلت إخلاصها في ذلك تقرّباً الى الله.
رعى الله دولتنا الفتيّة الأبيّة، التي تجردت أعمالها الخيّرة من كل عرض وغرض، فكان غايتها أن تكون كلمة الله هي العليا، وألّا يرفع شعار غير التلبية( لبّيك اللهم لبّيك) وألّا يُثار نداء إلا التكبير: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد، وهي -أي الدولة رعاها الله- تدرك أن الحج لا يستقيم إلّا بنبذ الأهواء، حتى يتفرغ الحجاج إلى الوقوف والدعاء بإخلاص لله الواحد الأحد الفرد الصمد:
 إلهي لا تعذّبني فإنّي          **     مقرٌّ بالذي قد كان منّي
فمالي حيلة إلّا رجائي         **     بعفوك إن عفوتَ وحسن ظنّي
وكم من زلّةٍ لي في الخطايا   **    صَفَحْتَ وأنت ذو فضلٍ ومنٍّ
إذا فكّرت في ندمي عليها      **   عضضْتُ أناملي وقرعتُ سنّي
أهيم بزهرة الدنيا جنونا        **   وأقطع طول عمري بالتمنّي
ولو أنّي صدقت الزّهد عنها    **   قلبت لأجلها ظهر المجنّ
يظنّ الناس بي خيرا وإنّي      **   لشرّ الناس إن لم تعف عنّي
إنها -والحق يُقال- استقامة ضمير يدعو إلى نقاء البواعث، وإخلاص النية، والتوجه إلى العزيز الحكيم بالدعاء والعبادة، دونما خلط أو تخليط، وبهذا تقف الدولة بحزم وقوة حائلاً دون أولئك الذين يرصدون رياح المنافع والأهواء، ليحصدوا من ذلك الموقف العظيم  نقاط  امتياز :
إن الدولة، وفقها الله، بعلمها وجهدها وإخلاصها وبذْلها أرادت أن تكون كل خطوة يخطوها الحاج، بل وكل خلجة من خلجات نفسه موصولة بالله العلي القدير، فهم، أي الحُجاج، جاؤوا من كل فجٍّ عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات.
رعى الله دولتنا التي امتدَّ خيرها للناس كافة، أفاضت بالنّعم فوصلت جنبات الأرض على ابتعاد أقطارها، ورغم مواقف النكران ، إلا أنّها أغضت حياءً، وترفّعت كرماً، وواصلت عطاءها وهي  ذات قدرة واقتدار ، لم تُعاتبْ ولها الحق أن تُعاتب، ولها في مواطن القول إن شاءت مساحة كبيرة، وآثرت أن يكون لها في مواطن الفعل المساحة الكبيرة. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
أمّا وقد أتم الحُجاج -والحمدلله- حجّهم وأدوا مناسكهم فاسمحوا لي أن أقول : يا أهل الشام شامكم، ويا أهل اليمن يمنكم، أقولها وأنا المواطن، قبل أن تقولها الجهة المختصة، أقولها وأرجو أن يقولها كل مواطن مخلص قولاً وعملاً، فلا نُتيح العمل لغير من صُرِّح له بذلك، ولا نُوفِّر المأوى لمن يخالف أنظمتنا، ولا نُتيح العيش بيننا للمتخلّف والمُخالف، والمواطن يجب أن يكون عونا وعينا: عونا في عدم تشغيل الأجانب المُخالفين، وعينا في إبلاغ الجهات المختصة عمّا يعلم ويعرف، فالدولة، أي دولة، أملها تضافر المواطنين الذين تسهر على رعايتهم وتحقيق مصالحهم، وتوفير سبل العيش الكريم لهم.
وفق الله  حكومة خادم الحرمين الشريفين في أعمالها الخيّرة، وجعلها موئلا وملاذا.. آمين آمين..
من عذب الكلام للشاعر أحمد شوقي:
لك الدين يارب الحجيج جمعتهم      **      لبيتٍ طهور الساح والعرصات
أرى أصنافاومن كل بقعةٍ              **      إليك انتهوا من غربةٍ وشتات
تساووا فلا الأنساب فيها تفاوت      **     لديك ولا الأقدار مختلفات
ويارب هل تغني عن العبد حجةٌ      **     وفي العمر ما فيه من الهفوات
نشرت في جريدة عكاظ   العدد ١١٥٥٥ السبت 14/12/1418 هـ